أبو الليث السمرقندي
577
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
بشيء سوى شكرك الذي أنعمت عليّ . وَعَلى والِدَيَّ يعني : النبوة والملك . وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ يعني : تقبله مني . وذكر أنه مر بزارع ، فقال الزارع : إنه ما أعطي مثل هذا الملك لأحد ؟ فقال له سليمان : ألا أنبئك بما هو أفضل من هذا ؟ القصد في الغنى والفقر ، وتقوى اللّه تعالى في السر والعلانية ، والقضاء بالعدل في الرضا والغضب . ثم قال تعالى : وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ يعني : في جنتك فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ يعني : مع عبادك الصالحين ، يعني : المرسلين . فوقف سليمان عليه السلام بموضعه ليدخل النمل مساكنهم ، ثم مضى . قرأ يعقوب الحضرمي وأبو عمرو في إحدى الروايتين لا يَحْطِمَنَّكُمْ بسكون النون ، وقراءة العامة بنصب النون والتشديد ، وهذه النون تدخل للتأكيد فيجوز التخفيف والتثقيل ، ولفظه لفظ النهي ، ومعناه جواب الأمر ، يعني : إن لم تدخلوا مساكنكم حطمكم . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 20 إلى 21 ] وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ( 20 ) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 21 ) ثم قال عز وجل : وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ يعني : طلب الطير ، وذلك أنه أراد أن ينزل منزلا ، فطلب الهدهد فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ وكان رئيس الهداهد ، وكان سليمان قد جعل على كل صنف منهم رئيسا ، ثم جعل الكركي رئيسا على جميع الطيور . قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة ما لِيَ بسكون الياء . وقرأ الباقون بنصب الياء ، وهما لغتان يجوز كلاهما . ثم قال : أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ يعني : أم كان غائبا لم يحضر بعد . ويقال : الميم للصلة ، ومعناه أكان من الغائبين يعني : أصار من الغائبين . وذكر أن الهدهد كان مهتديا يعرف المسافة التي بينهم وبين الماء . ويقال : كان يعرف الماء من تحت الأرض ، ويراه كما يرى من القارورة . وروى عكرمة أنه قال : قلت لابن عباس : كيف يرى الماء من تحت الأرض ، وأن صبياننا يأخذونه بالفخ فلا يرى الخيط والشبكة ؟ فقال ابن عباس : « ما ألقى هذه الكلمة على لسانك إلا الشيطان ، أما علمت أنه إذا نزل القضاء ذهب البصر ؟ » . فدعا سليمان أمير الطير ، فسأله عن الهدهد ، فقال : أصلح اللّه الملك ما أدري أين هو ؟ وما أرسلته مكانا ، فغضب سليمان عند ذلك وقال : لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً يعني : لأنتفن ريشه فلا يطير مع الطيور حولا ، ولأشمسنه في الحر حتى يأكله الذر أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ يعني : لأقتلنه حتى لا يكون له نسل أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ يعني : بحجة بينة واضحة أعذره بها ، فإن قيل : كيف يجوز أن يعاقب من لا يجري عليه القلم ؟ قيل له : تجوز العقوبة على وجه التأديب إذا كان منه ذنب ، كما يجوز للأب أن يؤدب ولده الصغير ، وأما الذبح فيجوز ، وإن لم يكن منه الذنب . قرأ ابن كثير ليأتينني بنونين . وقرأ الباقون بنون واحدة . فمن قرأ بنونين فهو للتأكيد ،